http://dgam.gov.sy/wp-content/uploads/2020/10/header.png
الموقع الأثري

يقع تل أسود في غوطة دمشق قرب بلدة جديدة الخاص ضمن سهل يمتد جنوب غربي بحيرة العتيبة، أبعاد التل( 275 × 250 ) م، مساحته نحو 5 هكتار، ارتفاعه عن سطح البحر 600 م، و عن السهل المحيط 5 م، سُمي بهذا الاسم نظراً للون تربته السوداء.

البعثات الأثرية

نقبت في الموقع بعثة فرنسية عامي 1971- 1972 برئاسة هنري دوكونتانسون H. DeContenson، ثم بعثة سورية فرنسية مشتركة بين عامي 2001 و2006 ترأسها بسام جاموس ودانييل استوردور D. Stordeur، وقد تبين أن الموقع من أهم التجمعات البشرية في التاريخ التي مارست الزراعة وساهمت في الثورة الزراعية الأولى في العالم.

السويات الأثرية

شهد الموقع مرحلتي استيطان، وهما من الأقدم للأحدث:

تنقيبات البعثة السورية الفرنسية في التل موسم 2004

1- المرحلة الأولى وهي تعبر عن النصف الأول من الألف الثامن( 7900 – 7600 ) ق.م،وتعاصر الطبقة الأولى في موقع تل الرماد، والطبقة (A4) في موقع المريبط، و الطبقة (B) في موقع أريحا بفلسطين

2- المرحلة الثانية وتغطي الفترة الواقعة مابين( 7000 و6500) ق.م

المُكتشفات الأثرية والمعمارية في الموقع

خلال المرحلة الأولى لم يُسكن إلا جزء من الموقع، حيث عاش الناس في بيوت وأكواخ دائرية الشكل بنيت جدرانها من اللبن وجذوع الأشجار ومن قصب المستنقعات والطين، وسقفت بالقش والطين، وفرشت الأرضيات باللبن وبنيت فيها المصاطب المنخفضة، كما كان هناك مخازن للحبوب، وتشير الدلائل إلى تعرض هذه الأكواخ للحريق مراراً وفي كل مرة كان يعاد بناؤها من جديد.

أما الدفن فقد كان يتم في حفر تحت أرضيات البيوت توضع الجثة غالباً على شكل القرفصاء، وتغطى الحفر بقطع عديدة من الطين الأحمر. وأحياناً وضعت عدة جماجم في حفرة واحدة, وهذا يدل على ممارسة طقوس عبادة الأسلاف التي كانت سائدة خلال هذه المرحلة في المنطقة. وقد قامت حياة المجموعة السكانية التي شغلت الموقع خلال هذه المرحلة  على زراعة حبوب القمح النشوي مع البقول كالعدس و الحمص، كما كان الشعير موجودا لكنه من النوع البري الأكثر انتشارا.  واعتمدت الزراعة على استخدام المياه السطحية  المتوفرة من بحيرة العتيبة التي يبدو أن مياهها امتدت لتحاذي تل أسود. وكانت الحقول المزروعة على ضفاف البحيرة تفيد من الرطوبة الإضافية لعدة أسابيع في فصل الجفاف لتصل المحاصيل إلى مرحلة النضج الكامل.إن وجود مثل هذا الشكل البدائي من الري يبدو مؤكدا من كثرة غبار الطلع وبذور النباتات المستنقعية. تناول سكان القرية،

إضافة للحبوب والبقول التي ذكرت، الفواكه البعلية مثل التين والفستق واللوز والتي كانت جزءاً من البيئة الطبيعية للموقع. أما الغذاء باللحوم فكان يؤمن من صيد الغزلان والخنزير البريين ومن الصيد المائي وأسماك بحيرة العتيبة ، ومن الحيوانات التي قام بتدجينها.

لابد أن ينعكس هذا النموذج من النشاط السكاني القائم على الزراعة والقطف والصيد على صناعة الأدوات المستخدمة في هذا النشاط والتي يجب أن تلبي الحاجة لهذا التطور الذي شهده الموقع. فظهرت النصال والمناجل الصوانية الكبيرة التي لها أسنان دقيقة وأحيانا كان لها قاعدة جعلت مقبضا . ووجدت السهام والمثاقب والمخارز المشابهة لتلك التي وجدت في موقع المريبط على الفرات الأوسط. كما وجد الأوبسيديان (وهو نوع من الزجاج الصخري) ولكن بكميات قليلة. ويبدو أن قسما من هذه المادة كان يستورد من منطقة الأناضول الوسطى وقسم آخر من منطقة الأناضول الشرقية . كانت الأدوات العظمية نادرة واشتملت مثاقب وأزاميل ومدى (سكاكين) وأدوات للصقل وإبر ذات ثقب. كما صنعت دمى طينية حيوانية بأعداد كبيرة من الطين المشوي، وقطع مخروطية على شكل بيادق لعب وربما كانت أشكالا إنسانية مختزلة أو أنها كانت تستخدم للإحصاء. لقد وجدت هذه اللقى الأثرية في جميع السويات الأثرية في تل أسود.

في المرحلة الثانية لسكن الموقع وصلت قرية تل أسود إلى أكبر اتساع لها، فقد مارس سكانها الزراعة بكثافة فزرعوا الحبوب والبقول وبقيت هذه المواد مع الخضار عنصراً ثابتا في التغذية كما تغذوا على التين و العنب و الفستق، وقد توفرت التغذية باللحوم من الصيد ومنها الغزلان والبقر والحصان علاوة على الماعز والطيور والأسماك التي تدل كثرة عظامها على أهمية بحيرتي العتيبة والهيجانة المجاورتين للموقع واللتان كانتا أكثر اتساعاً والعامل الرئيس في نشوء هذا التجمع السكني. وانعكس هذا النشاط الزراعي الملموس على الأدوات المستخدمة، فسادت النصال والمناجل الصوانية المسننة وأخذت أشكالاً متنوعة، ووجدت السكاكين والمكاشط ورؤوس النبال والفؤوس والخناجر التي تمثل الأدوات الحجرية ذات خصائص عصر ما قبل ابتكار الفخار، مقدمة صلات عديدة مع موقع المريبط (B-4) وشهد حجر الأوبسيديان استعمالا كثيفا” وقد استورد من عدد من المصادر من ضمنها منطقة بحيرة فان في شرق تركيا.

كما ظهرت المساحيق البازلتية ولكنها كانت نادرة. ووجدت حلي مصنوعة من الحجارة، وكرات مزينة أحيانا بخطوط محززة والتي مازال سبب استعمالها مجهولا، وربما كان لها علاقة بوسائل العد والحساب، كما صنعت الإبر و السكاكين ومقابض الأدوات من العظام و الفناجين والحلي المصنع من الصدف والحجارة المتنوعة. كما صنعت أدوات من الحجارة من بينها بعض الزبادي والأكواب من الحجر الكلسي، ورحى مهارس الطحن من الحجر البازلتي، إضافة إلى البلطات.

وتعد المواد المشغولة من الصلصال من أكثر المواد استعمالا في موقع تل اسود الثاني، بعد الأدوات الصوانية، وقد غدت الدمى الحيوانية والإنسانية مألوفة أكثر ومنها تماثيل نسائية جالسة، صنعت أحياناً من الحجر. ويبدو إن لهذه النماذج من التماثيل، التي تسمى بالربات الجالسات، علاقة بطقوس العبادة العائلية. ويوجد شبيهاً لهذه الأشياء في منطقة زاغروس وموقع المريبط وهذا يؤكد وجود صلات قائمة  وعلاقة وثيقة بين موقع تل اسود الثاني وهذه المواقع. وعلى العموم تمتاز هذه الفترة في كل منطقة دمشق بوجود أماكن إقامة مورست فيها زراعة متقنة تدل ثقافتها على أنها كانت ذات صلة  بسلسلة قرى تمتد من الأناضول إلى جنوب فلسطين.

لكن اكتشافات البعثة السورية الفرنسية عام 2003 أوضحت أهمية قرية تل أسود ودور سكانها في ممارسة الزراعة و الصيد وتدجين الحيوانات لأول مرة في التاريخ، كما مارسوا نوعا من طقوس عبادة الأسلاف أو الأجداد وهي شعائر كانت سائدة ومنتشرة خلال هذه المرحلة، وهي أحد أبرز وأوضح الطقوس المميزة خلال فترة العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار(ب) والذي يرمز له بـ PPNB، ودل عليها العثور على الجماجم المدفونة بأرضيات المنازل ، وهي عبارة عن جماجم مجصصة ومقولبة بالجص تم طلائها بالمغرة الحمراء، وقد تم معالجتها بعد فصلها  عن الهيكل بعد الدفن ومن ثم تم نزع الفك السفلي وجزء من الجمجمة السفلية ليتم إدخال مادة جصية، وتعطى العيون شكلها في بعض الأحيان بواسطة وضع الصدف أو إنشاء تجويف يدل عليها، بشكل مماثل لتل الرماد(قرب قطًنا) ويتم بعد الانتهاء من هذه الأعمال تلييس الجمجمة بالمغرة الحمراء. والنتيجة هي اعتقاد بأنها تعيد الحياة لوجه إنسان فارق  الحياة وكأنه موجود بينهم.

وتبقى فكرة تقديس الأسلاف هي العنوان الأبرز مع بروز مكانة المرأة واليافعين بدليل أن جماجم تل الرماد وعددها 40 جمجمة المدفونة كانت من الجنسين بينما كانت الجماجم المتكلسة في أريحا جميعها لذكور وهذا يعني أن مكانة المرأة لدى سكان تل أسود كانت موازية لمكانة الرجل ولم يكن هناك تمييز في الجنس أو العمر.

المراجع العلمية:

إعداد : محمود حمود – ابراهيم عميري

دائرة آثار ريف دمشق

2
دمى طينية تمثل الإلهة الأم - تل اسود
1

عدد الزوار 538 

Copy link
Powered by Social Snap