القائمة الرئيسة
Visits since Feb. 2014
5242577
Exclusive News
Report about the field work of DGAM in old Aleppo 3Ds documentation team continues working in the old city of Damascus On the end of February, DGAM will retrieve the two ancient Palmyrian funeral busts after restoration in Rome In Photos: Damage of Owch_Khan, Souk Al_Nahassein and Zaki_Mousque in old Aleppo 2017: A New Year after Years of Tragedy Besetting Cultural Heritage of Syria In Photos: Damages of Al-Hulwiah Madrasa,Khan Al-Olabieh, Khan Al-Salahieh and Masbaneit Al-Jabaily in old Aleppo

المزيد ... More

يبرود
27/11/2014 - عدد القراءات : 3746




تبعد مدينة يبرود نحو 80كم عن دمشق باتجاه الشمال الشرقي، و8كم عن مدينة النبك باتجاه الجنوب الغربي، ضمن معبر يصل بين هضبتي القلمون الوسطى والغربية، المتاخمة لسلسلة جبال لبنان الشرقية، وترتفع عن سطح البحر 1450م.

مناخها معتدل صيفاً، بارد شتاء، وقد تصل درجة الحرارة إلى 16 درجة تحت الصفر شتاء، وربما جاء اسمها من البرد، أمطارها قليلة (لوقوعها في ظل مرتفعات جبال لبنان الشرقية)، معدلها أقل من 150مم، وتتساقط فيها الثلوج بشكل سنوي تقريباً.



ذكرها الجغرافي اليوناني بطليموس (القرن الثاني للميلاد)، وياقوت الحموي (1179-1228م) في معجمه، وأشار إلى ينابيعها الباردة التي تصل إلى النبك، كما وصفها الرحالة الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته إلى الشام سنة 1105هـ/1693م.





ويبرود من المدن المهمة جداً على الصعيد الأثري، إذ توجد فيها مجموعة كبيرة من المواقع والأبنية الأثرية التي تعود إلى عصور مختلفة بدءاً من العصور الحجرية وحتى العصور الإسلامية، وهي تثبت تواصل السكن البشري فيها منذ أقدم الحقب وحتى الآن، الذي لم ينقطع إلا لبعض الفترات ولأسباب مناخية.

 تتوضع آثار يبرود داخل المدينة ولاسيما في حي القبع، وفي الأودية المحيطة بها، وهي: وادي المشكونة في الشمال، ثم وادي قرينا في الجنوب، ووادي اسكفتا في الوسط، ثم وادي حريّا. إذ توجد فيها الكثير من الكهوف والملاجئ على ارتفاع يتراوح مابين 15 ـ 20م من أرضية الوديان، يتركز معظمها على الحافة الشمالية لوادي اسكفتا شمال غربي المدينة.
 




اكتشف أهمية يبرود الألماني ألفرد روست Alfred Rust مصادفة أثناء رحلته على دراجته إلى المشرق العربي، والذي اضطره المرض للمكوث فترة من الوقت في المشفى الدانماركي بالنبك، زار خلالها يبرود، ثم عاد إليها بعد مدة ليبدأ تحرياته الأثرية التي استمرت أربعة مواسم بين سنتي 1930-1933 وقد نشر نتائج أبحاثه سنة 1950 في كتاب "مكتشفات مغاور يبرود" باللغة الألمانية، (ترجمه محمد قدور إلى العربية سنة 1987)، وقدم فيه مقارنات ممتعة مع مواقع المشرق العربي والمواقع الأوروبية، وكان حصيلة أول تنقيب منهجي وعلمي منتظم في مواقع عصور ما قبل التاريخ السورية.
 

سوليكي وروز

بعد ذلك قدمت بعثة أمريكية من جامعة كولومبيا في نيويورك، برئاسة رالف سوليكي Ralph Solecki وأنجزت ثلاثة مواسم تنقيب في أعوام 1963 -1964- 1965، شارك فيها مختصون في الجيولوجيا والبالنتولوجيا، وبعد انقطاع، عادت نفس البعثة برئاسة رالف سوليكي وزوجته روز Rose إلى يبرود وأنجزت ثلاثة مواسم أخرى بين سنتي 1987-1989حيث أجرت مسحاً أثرياً للمناطق المحيطة بالمدينة وواصلت التنقيب في الملجأ الأول في اسكفتا، وقد رافقها العمل نور الدين عقيل من يبرود.

كما أجرت بعثة يابانية بإدارة كل من سوزوكي Suzuki وكوبوري Kupori بعض التحريات الأثرية في صيف عامي 1967 و1968، وركزت عملها على ملاجئ وادي المشكونة ووادي حريا.
وبدأت بعثة أثرية ألمانية من جامعة توبنجن التنقيب في كهوف اسكفتا بين سنتي 2007-2010  برئاسة نيكولاس كونارد Nicholas Conard. 


كما أجرى الأب جوزيف نصرالله بين عامي 1934-1940 وبتكليف من مديرية الآثار السورية، مجموعة من التحريات الأثرية المتعلقة بمنطقة يبرود والقلمون خلال مختلف الحقب التاريخية، وقد تم نشر معظم نتائج هذه الدراسات في مجلة الحوليات الأثرية السورية.
وإثر ظهور بعض المدافن مصادفة، أجرت المديرية العامة للآثار والمتاحف بعض التنقيبات والتحريات الأثرية في يبرود سنة 1964 قادها علي أبو عساف وقاسم طوير.


آثار يبرود في عصور ما قبل التاريخ :

بدأت الأعمال مع ألفرد روست فشملت تحرياته إجراء مسح أثري في منطقة يبرود لمسافة 15كم، كشف من خلاله عدداً من المواقع الأثرية التي تميزت بغناها بالأدوات الصوانية. كما شملت دراسة ستة ملاجئ وكهوف، تم تنقيب ثلاثة منها في وادي اسكفتا، الذي وصفه روست أنه أشهر وديان الشرق في عصور ما قبل التاريخ. وقد سكن هذه الملاجئ إنسان الهوموأركتوس والنياندرتال والإنسان العاقل، بشكل متواصل وكثيف استمر أكثر من مئتي ألف عام، امتدت من العصر الحجري القديم (الباليوليت) الأدنى والأوسط ثم الأعلى، فالعصر الحجري الوسيط (الميزوليت)، ثم الحديث (النيوليت). واستطاع روست التعرف على حضارات جديدة لها أساليب خاصة في صنع الأدوات الحجرية وكان أكثرها تمييزاً الحضارة اليبرودية، وهي حضارة محلية أصيلة وإن تشابهت مع الصناعات الأشولية والموستيرية واللفلوازية ذات الانتشار العالمي الواسع.

ونشير بدايةً إلى وجود شيء من التباين بين الباحثين، الرواد منهم والمحدثين، عند تناولهم لتأريخ بعض الطبقات الأثرية والثقافات الحضارية التي تنتمي لها، وتصل المسألة إلى فروقات تتجاوز عشرات آلاف السنين أحياناً، وهذا ما ينطبق على يبرود التي يُرجع بعضهم أقدم استيطان بشري فيها إلى نحو 350 ألف سنة خلت. وهذا الاختلاف أمر طبيعي، وقد يكون السبب فيه تطور فرع آثار عصور ما قبل التاريخ وتقدم العلوم المساعدة له، وتوسع أعمال التنقيب والدراسات لتشمل الكثير من المواقع في منطقتنا والعالم، مما يتيح مجالاً أوسع للمقارنة والوصول لنتائج جديدة. ولكننا هنا سنلتزم بما وضعه روست، وسار على هديه الباحثين الذين عملوا في يبرود.

الملجأ الأول (I): وهو الأهم، يمتد نحو 35م على طول أسفل الجرف الصخري, وبعمق (أفقي) وسطي 6م، وارتفاع نحو 20م، سماكة التوضعات الأثرية فيه 11.5م. عملت في هذا الملجأ كل من بعثة روست وبعثة سوليكي، وتعرفت على خمس وعشرين طبقة أثرية وجيولوجية، يمتد تاريخها من 200.000ـ 40.000ق.م (عصر حجري قديم) وتنتمي إلى مجموعة ثقافات هذا العصر ومنها الثقافة الأشولية، والأورينياسية، والموستيرية، واللفلوازية، والميكوكية، واليبرودية المحلية. وهناك انقطاع في السكن خلال بعض الحقب، تعود لأسباب مناخية. عثر في الملجأ على أدوات صوانية متنوعة من أهمها المقاحف اليبرودية المتطورة (طولها 5-8سم)، والأزاميل (محافر)، والفؤوس (بدءاً من الطبقة 24)، والنصال، والمكاشط، المثاقب، وأسنة السهام، والمدى، والشظايا، والنوى. كما عثر على مواقد محاطة بأحجار كبيرة، ولقى أخرى منها: صفيحة مجَّلوة من العظام ومخارز عظمية، وقطعة عظمية عليها آثار أنياب حادة، وآثار صباغ أحمر طبيعي، وقشور البيض، وقطع من الحجارة الكلسية المشذبة لتعطي شكلاً مستديراً. وثمة بقايا عظمية وعضوية لحيوانات السهوب، مثل: الحصان الكبير (إيكيوس كابولوس Equus Caballus)، والحصان الصغير، ووحيد القرن (عثر على فكه العلوي)، والدب، والوعل.

الملجأ الثاني (II): يقع على الحافة الشمالية لوادي اسكفتا وهو يشبه المغارة مستديرة الشكل، تكوّن بفعل عوامل الحت والتعرية على الصخور الكلسية، عرض الملجأ 20م، عمقه 8م. توجد في واجهته الداخلية قاعدة عريضة ارتفاعها 1م، نحتت فيها قبور تعود إلى العصر الروماني. عملت فيه كلا البعثتين السابقتين، وتبين أنه يتضمن عشر طبقات أثرية، يمتد تاريخها من 40.000 ـ 10.000ق.م، (عصر حجري قديم أعلى ـ عصر حجري وسيط) تنتمي إلى الثقافة الموستيرية المتأخرة، واليبرودية المحلية، والأورينياسية بمراحلها، ثم النطوفية.




عثر في الملجأ على الكثير من الأدوات الحجرية التي بدأت تصغر ويزداد عددها في الطبقات الأحدث (بدءاً من الثانية)، منها: المكاشط، والأزاميل، وأسنة السهام، والنصال، والمثاقب، والشظايا، والنوى، وأحجار المقاليع، علاوة على بعض المواقد، وعظام الحيوانات. وثمة أدوات مصنوعة من العظام ومنها بعض الأسنة، والصدفيات المثقوبة، التي يعتقد أنها استخدمت حلياً للزينة. وعثر على مساحق حجرية، وحوّار أحمر (للتلوين)، مع قطع ذات لون أحمر من المعتقد أنه كان يؤخذ منها أجزاء صغيرة كان يتم سحقها على ألواح مسطحة من الحجر الكلسي القاسي التي طلي جانب منها باللون الأحمر. وربما كان اللون الأحمر يستخدم لطلاء الجسم والأشياء الأخرى ذات البعد الطقسي. كما عثر على قطع من القار لاستخدامه في صناعة الإسفلت بعد تسخينه، ومن ثم لطلاء مقابض الأدوات أو لإحكام ربطها. مع العلم أن الإسفلت غير متوفر في منطقة القلمون وكان يجلب من مسافة لا تقل عن 50كم. وعثر في هذا الملجأ على مواقد بسيطة الشكل حفرت أحياناً ضمن الأرضية، ووصل قطر موقد الطبقة الرابعة نحو 1م وأحيط بصف من الحجارة. 


الملجأ الثالث (III): يقع في الجهة الشمالية من وادي اسكفتا، يتألف من تجويفين مترابطين شكلهما شبه كروي، يتوضعان في منتصف المسافة بين الملجأين الأول والثاني، طول كل منهما 7م وارتفاعه 6م، سماكة التوضعات الأثرية فيه نحو 3.5م، تضمن عشر طبقات أثرية. وظهرت فيه دلائل واضحة لإقامة مجموعات الإنسان العاقل، الأكثر تطوراً من سابقتها، وذلك خلال العصر الحجري الوسيط والعصر الحجري الحديث 10000 ـ 7000ق.م وقد عثر فيه على أدوات صوانية، منها الأزاميل، والمثاقب، والنصال، وأسنة السهام، والمقاحف، والمدى، والأدوات الميكروليتية، والنوى، والحلي الصدفية. كما عثر على مواقد بشكل حفر يصل قطرها حتى 40سم، أحيطت أحياناً بقطع حجرية، وثمة مدقات حجرية صغيرة ورحى، وقطع حجرية من الحوّار الأحمر، وحلي من الأصداف، وتميزت الطبقة الأولى العائدة إلى العصر الحجري الحديث، بوجود كسر من آنية حجرية وأسنة عاجية. تنتمي لقى هذا الملجأ إلى الثقافات: الأورينياسية الحديثة، والنطوفية، والقفصية والثقافات المحلية (الفليطية والنبكية والاسكفتية).

الملجأ الرابع (IV): ويقع أيضاً شمالي وادي اسكفتا في جبل شميس، وهو يطل نحو الجنوب. أبعاده 20×8×8م، أجرى فيه روست سبراً بسيطاً، دون أن يكتب شيئاً عن نتائجه، لكن سوليكي تدارك الأمر وأجرى مجموعة من الأسبار أظهرت أن سماكة التوضعات الأثرية فيه 11.35م، تضمنت 22 طبقة رئيسية، تدل أدواتها الصوانية، على أنه أقدم من الملجأ الأول، أي أن تاريخه يعود إلى ما قبل 200.000 سنة. ورغم عدم العثور على مواقد، إلا أن آثار النار ظهرت واضحة على عدد من الأدوات الصوانية في الكهف. ودلت دراسة بقايا عظام الحيوانات على وجود الحصان، والوعل والكركدن، والغزال، والأسد والدب الأسمر، والسلحفاة، ووحيد القرن وغيرها، وقد عثر على كمية كبيرة من عظام الخيول، وثمة آثار لطبعات قوائم عدد من الحيوانات، منها السلحفاة، والخيول، والكركدن ومئات الطيور. أما الأدوات الصوانية في هذا الملجأ فكان أكثرها من الفئة المسننة، والمدى الطبيعية الظهر، على شكل نصال، والأدوات المفرّضة، وهي، رغم تفردها، تشبه أدوات مغارة الطابون (طبقة G)، بجبل الكرمل في فلسطين، ومغارة أم قطفة بوادي خريتون في الأردن، التي تنتمي إلى الثقافة الأشولية، علاوة على الأدوات التي تنتمي للثقافة الموستيرية. ورأى سوليكي أنه من المفيد أن يطلق على النوع الذي تميز به هذا الكهف من الأدوات بنوع " شميس".

الملجأ الخامس(V): يقع غربي الملجأ الثاني ولم يتم التنقيب فيه.

الملجأ السادس(VI): يقع على طريق النبع في اسكفتا، عثر فيه سوليكي على بقايا مختلطة لأدوات العصر الحجري القديم الأوسط والأعلى، مع بقايا أحدث تتضمن بعض الكسر الفخارية.

الكهف(I): يقع مقابل الملجأ الأول في جبل شميس شمالي وادي اسكفتا، وهو أشبه بنفق عرضه 13م وارتفاعه 7م، ويتسع في الداخل إلى 30م. تحول إلى مسكن في العصور التاريخية، وأزال قاطنوه بقايا العصر الحجري القديم. تدل آثار التوضعات الأثرية الباقية على جدرانه أن سماكة الطبقات الأثرية فيه بلغت ستة أمتار. أما الأدوات الصوانية الباقية فهي قليل من الأدوات التي تنتمي إلى الثقافة اللفوازية.

كما نقبت البعثة اليابانية بإدارة كل من سوزوكي وكوبوري في صيف عامي 1967 و 1968 ضمن ملجأين في الجانب الشرقي من وادي المشكونة، عثر فيهما على أدوات حجرية أهمها النصال والمثاقب، والتي يعود تاريخها إلى العصر الحجري القديم الأوسط. ونقبت أيضاً، في عدد من كهوف ومصاطب وادي حــريّا (شمالي مدينة يبرود، ويمتد من بداية وادي المشكونة باتجاه قرية السحل)، وعثرت على مجموعة كبيرة من الأدوات الصوانية والآثار التي  تعود إلى العصر الحجري القديم.


علاوة على تنقيب الملاجئ والكهوف السابقة، ثمة  آثار أخرى مبعثرة في الجروف الصخرية الممتدة على طرفي وادي مجر يبرود، وعلى سفوح الجبال الواقعة إلى الشرق من بلدتي يبرود ومعلولا، وكلها سكنت في عصور ما قبل التاريخ. وقد كشف الأب جوزيف نصرالله العديد من الكهوف والملاجئ في أودية يبرود ومحيطها ومنها وادي اسكفتا ووادي فليطة (طوله 3كم وعرضه 500م)، وفي سهل "سيل البلاط"، ووادي قرينا الذي عثر فيه على موقع يسمى"مغارة العبدة" تبين أنه ينتمي إلى الثقافة النطوفية، فيما تعرَّفَ في موقع "الفقرا" وفي موقع "ضهر النجاسة" على أدوات حجرية يعود تاريخها إلى العصر الحجري النحاسي وتنتمي للثقافة الغسولية في فلسطين. أما في وادي المشكونة و"دير المايدة" ووادي فليطة فقد عثر الأب نصرالله على مواقع تعود إلى العصرين الحجريين القديم والوسيط. وقد استنتج، من خلال الدراسة التي أجراها على منطقة لا يتجاوز امتدادها 6 كم، ووجد فيها ما لا يقل عن عشرين موقعاً أثرياً، ومثلها في منطقة النبك، أن منطقة يبرود والقلمون كانت غنية جداً وكثيفة السكن خلال مختلف العصور الحجرية.
أما أعمال البعثة الألمانية التي يقودها نيكولاس كونارد، وهي آخر البعثات التي عملت في يبرود، فقد تركزت على أحد ملاجئ وادي المشكونة، وتمكنت من الكشف عن عشرين طبقة أثرية وجيولوجية فيه (حتى عمق 4م)، يعود تاريخها إلى العصر الحجري القديم الأوسط، ومرحلة الانتقال للقديم الأعلى. وقد اكتشفت آلاف الأدوات الصوانية التي ينتمي معظمها إلى الثقافة اللفلوازية، من أهمها: الأزاميل، والمكاشط، والشظايا، والنوى. وبيّنت دراسة العظام وجود أنواع من الحيوانات الثديّة وبعض الطيور، ولوحظ وفرة في عظام الخيول، وحمار الوحش، والغزال والأرنب، والسلحفاة.  
ويشار إلى أن اكتشافات ألفرد روست وأبحاثه كان لها الفضل في التأسيس لدراسة عصور ما قبل التاريخ في سورية، وتوجيه أنظار علماء الآثار إليها. كما أنها وضعت يبرود على لائحة أهم المواقع الأثرية العالمية، وأصبحت تسمية (الثقافة اليبرودية) مصطلحاً لحضارة مشرقية، سادت خلال العصر الحجري القديم، ومتعارف عليه عالمياً.


آثار يبرود في العصور التاريخية:

استمر سكن يبرود خلال العصور التاريخية، وكان الشاهد الأكثر أهمية الذي يمثل هذه المرحلة، مجموعة القبور التي اكتشفها مصادفة أحد الفلاحين، في موقع خابية الرشيدة شمال وادي اسكفتا، أثناء تجهيزه قطعة من أرضه بين كروم البلدة ليجعل منها بيدراً. فتشكلت بعثة برئاسة علي أبو عساف وقاسم طوير، أجرت موسماً تنقيبياً قصيراً سنة 1964، أعقبته بموسم آخر سنة 1965 فتحت فيه بعض الأسبار. وقد تمكنت البعثة من العثور على تسعة قبور يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين 1950-1500ق.م أي ما يعرف بالعصر الأموري الكنعاني، وأعطت الدلائل على استمرار سكن يبرود خلال العصر البرونزي الوسيط (الألف الثاني ق.م).


توضعت القبور على عمق 30-50سم، وقد حفرت ضمن صفوف شبه منتظمة ومتوازية في الاتجاهين. وهي ذات شكل صندوقي تشبه قبور الدولمن، تتجه أبوابها نحو الشمال، بنيت بشكل بسيط من حجارة كلسية كبيرة الحجم غير مشذبة، وسقفت ببلاطات كبيرة أغلقت فراغاتها بالحجارة الصغيرة والطين. أبعادها بشكل وسطي نحو 240×135سم، وهي من نموذج انتشر في جنوبي بلاد الشام، تشابه قبور مجدو وتليلات غسول والعظمية في فلسطين، كما تشبه قبور بعض المواقع السورية الأخرى ومنها بعض قبور أوغاريت وتل أحمر.
تدل قبور يبرود على أنها جماعية (عائلية), يحتوي كل قبر على ما لا يقل عن رفات خمسة أشخاص, عثر في القبر رقم (3) على جزء من عمود فقري يخترق إحدى فقراته رأس نصلة رمح برونزي، تدل على أن صاحب القبر مات مقتولاً.

وتميز القبر رقم (4) بوجود عشرة هياكل عظمية، ويبدو أنه ظل مستخدماً لفترة طويلة تقارب الأربعة قرون للعثور فيه على ختمين أسطوانيين، يعود تاريخ الأول إلى العصر البابلي القديم (نحو 1800ق.م)، أبعاده 2.6×1سم، وهو من حجر الهيماتيت (أسود لامع صلب)، يحمل نقشاً يمثل إلهة ترتدي على رأسها تاجاً له قرنان، وثوباً طويلاً فضفاضاً، أمامها ملك يرتدي خوذة وثوباً قصيراً يضع يده اليسرى على حزامه. يفصل بين الإلهة والملك صولجان، يعلوه هلال، وبين فتحتيه الشمس، وبجانبهما ثلاثة أسطر: " سن – لو- أبلُط، إبن – زابا- با – خاصير، خادم الإله سن".


أما الختم الثاني، فقد عثر عليه في أعلى القبر، ويعود إلى العصر الميتاني (1500- 1350ق.م)، صنع من عجينة زجاجية، وهو ذو لون أزرق، أبعاده 2×0.9سم، يمثل رجلاً سائراً يرتدي خوذة على رأسه، وثوباً قصيراً، ويمسك بيده اليمنى شجرة نخيل، ويشاهد وراءه في الأعلى خط حلزوني تحته صورة غزالين مربوطين يلتفتان إلى الوراء.



واحتوى هذا القبر أيضاً على مجموعة متميزة من الأثاث الجنائزي مما يدل على أنه كان يضم رفات شيخ العشيرة أو أحد علّيّة القوم. وقد عثر في القبور على: أربعة فؤوس كنعانية (ذات العينين)، يوجد شبيهاً لها في أوغاريت وجبيل وأريحا في فلسطين، وكشف مؤخراً عن شبيه لها في بلدة زاكية جنوب دمشق. كما عثر على ثلاثة خناجر تختلف عن بعضها من حيث الحجم وتقنية التصنيع، وثمة سكاكين برونزية بسيطة حادة الشفرتين والرأس، وعثر على نصال رماح، ونبال، ومشابك ثياب، ومسلات، وأساور، وحلي (أقراط وخواتم وأطواق وخرز...) وتمائم, وعدد من الأواني الفخارية, ومنها الصحون، والسرج، والقصعات، وأباريق الزيت، والحقق، والجرار والأباريق العادية.

أما نتائج تنقيب الموسم الثاني الذي قام به أبو عساف فقد تمكن من خلال بعض الأسبار، من الكشف عن بقايا بعض أساسات المنازل السكنية من النوع البسيط، لأحدها شكل شبه مستدير أبعاده 6×3م يتضمن موقدين، ربما كان بقايا خيمة أو كوخ من القصب. كما تم العثور على جرن صغير، وهو من الحجر الكلسي وبجانبه مدقات من نفس نوع الحجر، ومسن من الحجر الأخضر المعدني، وكسر فخارية، وكلها من العصر الحجري النحاسي/ الكالكوليتي (الألف الرابع ق.م).


وفي الطبقة الأعلى تم الكشف عن بقايا سكنية بدائية قوامها بيت مستطيل الشكل، ومستودعات أسطوانية الشكل بلغ عمقها نحو 2م وقطرها 1م، طليت من الداخل بالمونة الطينية. وقد عثر على أجزاء من أوانٍ وقدور فخارية، وعدد من الأكواب (تشبه أكواب حماه)، وجعلان مصري مصنوع من عجينة زجاجية ذو لون أزرق عليه صور كلب وطائر وبعض الإشارات، كما عثر على ثقالات أنوال النسيج من الحجر الكلسي، ورؤوس مغازل صغيرة ورقيقة، يعود تاريخها، مع المواد السابقة إلى الفترة 2400 -1900ق.م. كما عثر في سبر آخر على تمثال برونزي له مثيل في جبيل، يعود تاريخه إلى الفترة 2300- 2100ق.م.
 وقد أثبتت هذه الأسبار استيطان الموقع من قبل سكان متنقلين (بدو) خلال الألف الرابع ق.م. وعند نهاية الألف الثالث ق.م طرأ تبدل حضاري على المنطقة وقدم سكان جدد كانوا من البدو أيضاً. وبحلول الألف الثاني هجرت منطقة خابية الرشيدة وتأسست مدينة وسط سهل يبرود (تل القبع)، ومن المعتقد أن جماعات جديدة طردت السكان القدماء وأقامت في منطقة سكناهم قبورها، فيما اختارت بقعة أخرى (وسط يبرود) لإقامة بيوتها عليها.


ازدهرت يبرود في العصر الآرامي وهذا ما يدل عليه ورود ذكرها في بعض مصادر الألف الأول قبل الميلاد، ومنها حوليات الملك الأشوري شلمنصر الثالث (859-835ق.م)، وأشور بانيبال (669-627ق.م) وكذلك العهد القديم، إلا أنه لم يتم العثور على آثار تعود إلى هذه المرحلة رغم الاعتقاد أن مبنى كاتدرائية هيلانة وقسطنطين كان معبداً للشمس عند إنشائه خلال العصر الآرامي، هذا قبل أن يتحول إلى معبد جوبيتر في العصر الروماني، ويرجح أن يبرود الآرامية تتوضع داخل البلدة القديمة وربما في تل القبع.


آثار يبرود في العصور الكلاسيكية:

تبعت يبرود خلال أواخر العصر الهلنستي وبداية العصر الروماني حتى نهاية القرن الأول الميلادي، لحكم الإيتوريين أولاً، ومن ثم للمنطقة التي حكمها القائد أغريبا. وقد وصلت أوج ازدهارها في العصرين الروماني والبيزنطي، وفقاً للآثار المتبقية فيها، واستمر ازدهارها خلال العهود العربية المختلفة.
تعد منطقة القلمون بما فيها يبرود فقيرة بمواردها، فقد كانت بالكاد تكفي نفسها، وتصدر القليل الذي يفيض عنها، كخمر الهضاب العالية، المرغوب دوماً في العالم القديم، وزيت السهول المنخفضة. لكن المنطقة أفادت من موقعها كبلد مرور وحققت من ذلك بعض الموارد الاقتصادية التي أمنت لهم حياة لائقة وبعض الرفاه. إذ كان السكان يبادلون أو يبيعون بعض غلالهم المحدودة لرجال القوافل ويشترون منهم الأصناف التي يحملونها، كالبهارات وعطور الجزيرة العربية ونسيج ايران ولآلىء الخليج وحرير الصين وأعشاب الهند العطرة وصمغها وعاجها. كما عمل بعضهم على تقديم الخدمات لهذه القوافل ومرافقتها وجعلوا من أنفسهم أدلاء لها. كما عمل الكثير من شباب المنطقة، ومعظمهم من العنصر الآرامي، في دساكر خط الحدود المحصن التي كانت فيها جاليات رومانية نتيجة لإقامة الموظفين وجنود الفرق الرومانية.
وتأثرت الطبقة الميسورة من السكان الأصليين بتماسها مع هذا العنصر الجديد من ناحية أخلاقها وعاداتها وأسمائها. وقد دخلت الأسماء اللاتينية وعبادات الإمبراطورية الرومانية الى القلمون بتأثير الموظفين والكتائب العسكرية الرومانية القائمة بالحراسة على تخوم الصحراء.  ويظهر ذلك واضحاً من خلال استخدام هذه الأسماء وتطور الأسماء الآرامية.

ويُعدُّ وجود تلك الأسماء دليلاً بسيطاً على اكتساب القلمون الصفة الهيلينية، لكن الدلائل الأكثر أهمية تتمثل في دخول عبادات روما القديمة إلى هذه الجبال المنعزلة. ويُعدُّ معبد جوبيتر- مالك اليبرودي في يبرود (كاتدرائية القديسين هيلانة وقسطنطين) من أهم الأبنية الدينية هناك، وربما كان بانثيون القلمون. ويعتقد أن البناء كان معبداً إغريقياً قبل ذلك، وهذا ما يدل عليه مرسوم أغريبا (القرن الأول الميلادي). وقد اكتشف تمثال في روما يمثل الإله جوبيتر، يحمل نقشاً بالكتابة الاغريقية وهو"جوبيتر ملك يبرود". وقد كان للمبنى شكل البيوت الرومانية الخاصة، وهو ذو مخطط مستطيل أبعاده 30×19م، مؤلف من ثلاثة أقسام، أضيفت له حنية كبيرة في بداية القرن الثالث ميلادي، كما تم تبديل أعمدته بعضادات قصيرة ضخمة، كي تستطيع حمل قناطره التي تتجاوز السبعة أمتار. وكانت تحيط بالمبنى ثلاثة أروقة بثلاثة صفوف من الأعمدة الكورنثية. وقد تمت هذه التعديلات في عهد سلالة باسيانوس بين عامي 212 – 235 م، في حين تم إعادة بنائه على يد الأباطرة السوريين وخاصة ايلا غابال، حيث قاموا بتوسيع وتجميل المبنى وفتحوا له الأبواب ليبدو كمجمع الآلهة الروماني.




ومن الآثار المهمة العائدة إلى العصر الروماني في يبرود، بقايا بناء روماني يعلو تل القبع وسط المدينة بين البيوت القديمة، حيث تظهر أجزاء منه، مثل بعض الجدران وأحد الأعمدة، وهو ينسب إلى زنوبيا ملكة تدمر، التي استخدمته مقراً صيفياً لها، لكن لاشيء يؤكد ذلك، وربما كان يخص الحاكم العسكري الروماني.


 وفي وادي قرينا كان ثمة معبد لحوريات المياه قرب النبع (اختفت معظم معالمه حالياً)،  وقد نحت على صخرة مجاورة صورة أسد. وقد يشير اسم قرينا (الذي يعتقد أنه يعني حورية النبع)، إلى ذكرى عن العبادة التي كانت سائدة في هذا المكان.




وفي وادي اسكفتا، عند امتداده الغربي، توجد بقايا بناء منحوت في الصخر يطلق عليه اسم "معبد الهواء الطلق"، ويسمى من قبل بعض الأهالي بالحرم أو المذبح.
وربما يعود تاريخه إلى ما قبل العصر الروماني، وهو فريد من نوعه ولا شبيه له إلا أحد معابد البتراء في الأردن.
يتألف من قاعة في الشمال أبعاده 11.8×8.7م،  ارتفاع أساساتها لا يتجاوز 30 سم، و شكلها غير منتظم لها قسمان متساويان، أحدهما لرجال الدين، والثاني قدس الأقداس.




وفي الجهة الجنوبية من القاعة، يوجد المذبح المؤلف من قاعدة مربعة الشكل، يعلوها شكل رباعي أصغر منها حفرت فيه قناة دائرية. وتوجد أمام المذبح حفرة صغيرة تشبه الجرن، وثمة حوض إلى الغرب منه وهو ذا شكل مستطيل (مخصص للتقدمات العينية)، كما توجد أمام المذبح أربع درجات. وحول الحرم ثمة خمسة قبور محفورة في الصخر، من المحتمل أنها قبور الأسرة الكهنوتية القائمة على المعبد.



المدافن:



1ـ مدافن وادي قرينا
تقع على السفوح الصخرية لوادي قرينا على يسار الطريق العام المتجه من يبرود إلى رأس العين. يبلغ عددها 18 مدفناً، تعرض بعضها للتخريب. وتتألف من مدخل في الجهة الغربية يؤدي إلى فناء مربع طول ضلعه نحو 2م، تحيط به ثلاث معازب في كل جهة يعلوها قوس، وفي كل منها قبران. أرضية الفناء مفصولة عن القبور بجدران صخرية ارتفاعها نحو40 سم. ويلاحظ تنوع في شكل مخططات مدافن قرينا، فقد يوجد في المعزبة قبر واحد أو اثنان، كما زود مدخل بعض المدافن بممر.

2 ـ مدفن طريق رأس العين
يقع قرب وادي قرينا، على يمين طريق فرعي يؤدي إلى رأس العين، حفر ضمن الجرف الصخري ويرتفع نحو ثلاثة أمتار عن الطريق، ويبدو أن الموقع كان مغارة طبيعية واسعة نسبياً، تم تشذيبها لتتحول إلى مدفن يتضمن مجموعة من القبور. يتم الصعود إليه بدرج يؤدي إلى فناء صغير، يقابله قبران أرضيتهما على نفس مستوى أرضية الفناء، وخلفهما قبر على منسوب مرتفع. وعلى يمين ويسار كل من القبرين يوجد قبر آخر، حفرت كوة في فوق القبر اليميني. ويوجد على يمين الفناء درج صغير، يؤدي إلى باحة صغيرة، وعلى يسار الفناء مكان مخصص لقبرين غير محفورين، ويلاحظ على الجدار آثار نحت تمثل كوتين.


3 ـ المدفن الجماعي
يقع على السفح الصخري، جنوب غربي مدفن قرينا باتجاه رأس العين، ويبعد عنه نحو200م، وهو يتكون من مغارة طبيعية طولها نحو 20م وعرضها 10م، تحتوي على عشرات القبور الفردية (زاد عددها عن 33 قبراً) حفرت في أرضيتها بشكل غير منتظم، وصل عمق بعضها إلى ما يزيد عن 1.5م أحياناً. يوجد في المدفن حجرات فرعية معزولة لها مدخل خاص بها، على شكل فتحة، احتوى كل منها قبران أو ثلاثة. والمدفن بحاجة إلى أعمال تنقيب للكشف عن كامل القبور فيه.



4 ـ مدفن المنقورة
يقع في مدخل وادي اسكفتا ضمن كتلة صخرية منفصلة، يطلق عيها الأهالي اسم المنقورة، ارتفاعها نحو 4م، وله باب صغير، يؤدي إلى فناء محاط بثلاث معازب دفن، تضم معزبة الواجهة الداخلية قبرين، وتضم الجانبيتان قبراً واحداً.



5 ـ المدفن الملكي
يقع في وادي اسكفتا ويطلق عليه الناس تسميات مختلفة كالمدفن الملكي، ومغارة أو مقام مار سابا، أو مزار الشيخ محمد. وهو مدفن جماعي من الطراز المألوف حفر في مكان مرتفع من سفح الجبل، زُيّنت واجهته بمشهد أسدين، الأول على يسار البوابة، وهو بوضعية الوقوف، والثاني على يمينها وهو بوضعية الجلوس. وتوجد سبع عشرة شاهدة على واجهة المدفن، تدل على عدد المدفونين بداخله، ثمان منها على يمين البوابة في الصف السفلي، وتعلوها اثنتان في الصف العلوي، وخمس شواهد علي يسارها في الصف السفلي، وتعلوها اثنتان في الصف العلوي.
يتم الوصول إلى البوابة عبر درج صغير محفور في الصخر، تؤدي البوابة إلى ردهة أبعادها نحو 2.5×3 م، ومنها يتم الدخول إلى الفناء عبر البوابة الداخلية (وهي أكبر من الخارجية)، أبعاد الفناء نحو 4.5×5 م، يوجد في جداره اليميني معزبتان بأسقف قوسية، في كل منهما قبران، وفي الجدار الصدراني ثلاث معازب، يوجد في كل من المعزبتين الجانبيتين قبران، أما المعزبة الواقعة في الوسط، فتحتوي قبراً واحداً فقط. كما توجد معزبتان في الجدار اليساري في كل منها قبران، وثمة قبران في أرضية الفناء ليصبح مجموع القبور 15 قبراً، ويبدو أن القبرين المتبقيين تم إزالتهما في فترة لاحقة، وكانا يتوضعان مكان المصطبتين الواقعتين علي جانبي الردهة.





علاوة على ما سبق ذكره، عثر في يبرود على عدد من النقوش الحجرية أهمها: نص أغريبا الشهير، الذي وجد على بعد 100م جنوب الكاتدرائية داخل بيت حديث، وهو مسطّرٌ على حجر مستطيل يبدو وكأنه جزء من مذبح. وثمة نقش غير مكتمل يرد اسم الإمبراطور سيزر (قيصر)، عثر عليه في الجدار الشمالي للكاتدرائية.

كما عثر على نقش في زاوية أحد البيوت يتضمن تقدمة للمذبح، ونقش آخر في باحة كنيسة الكاثوليك كتب على مذبح، يؤرخ لـ 126م، ويتضمن اسم بلتينوريوس بن جيروم.






آثار يبرود في العصر البيزنطي

 كان انتشار المسيحية بطيئاً نسبياً في داخل سوريا خاصة في الجبال, ومع الاعتراف بالديانة المسيحية واعتناق الإمبراطور قسطنطين لهذه الديانة، فقد انتشرت في منطقة القلمون ومنذ القرن الرابع الرعويات المسيحية المنظمة وكان لها درجات كهنوتية. وفي القرن الخامس كانت هناك اسقفيتان. ثم وجهت الضربة القاضية للعبادات القديمة فحولت المعابد إلى كنائس، وهياكل المياه إلى مصليات يُمجّدُ فيها القديسون المحببون إلى قلوب الشعب, كما شيدت بازيليكات جديدة. وكانت هناك أديرة عديدة تستقبل المسيحيين المشغوفين بالعزلة، ولم يبق من الوثنية إلا بعض العادات والمعتقدات الشعبية. وكان معبد جوبيتر في يبرود من أهم الأبنية التي تحول إلى كاتدرائية حملت اسم الإمبراطور قسطنطين وأمه هيلانة.

وتعود لهذا العصر مجموعة من الكنائس والأديرة التي اندثر معظمها ومنها: كنيسة القديس نيقولاوس، وكنيسة مار الياس (وهو مكان زاوية الشيخ عبد القادر قنوع)، ومصلى القديسة زينب (ستي زينب) التي أصبحت جزءاً من المدرسة الدينية، ودعيت لاحقاً مدرسة قسوات، وكنيسة السيدة شرقي المدينة، وكنيسة القديس استيفانوس، وكنيسة القديس قزما وداميانوس وتدعى مار قزمان، ودير قونن، ودير مار سابا في اسكفتا، والمصيدة.
وثمة دير يقع في السفوح الجبلية الممتدة ما بين بلدة يبرود وقرية السحل على ارتفاع حوالي 1500م، يدعى بدير شرعب، يعود تاريخه إلى العصر البيزنطي،  أبعاد المبنى 36 م طولاً، و30 م عرضاً، ويضم في داخله عدة غرف وقاعات. نحتت أجزاء منه في الصخر (غرف– أدراج) وبنيت أجزاؤه الأخرى بحجارة كبيرة. ويتضح من مخططه العام أنه بني على مرحلتين: بنيت في الأولى أجزاؤه الصخرية والمبنية بحجارة ضخمة، وفي المرحلة الثانية تمت توسعة البناء واستخدمت فيه حجارة صغيرة مشذبة قليلاً. واستخدم كدير ولممارسة بعض الوظائف الاقتصادية ومنها عصر العنب، لوجود غرفة فيه تحتوي على بقايا جرن كان يستخدم كجزء من معصرة، كما يوجد خزان صخري كبير لتجميع المياه والتي تم جرها من شمالي الدير عبر قناة تم حفرها لهذه الغاية.
كما عثرت دائرة الآثار سنة 2006 على موقع أثري يسمى خربة البيضا، يطل على وادي المجر، له شكل متطاول، أبعاده 400×100م. لا يظهر من معالمه شيء على السطح، بإستثناء الكسر الفخارية تبين بعد دراستها أن معظمها يعود إلى العصر البيزنطي والقليل منها إلى العصر الروماني.

وقد عثر على مجموعة من النقوش الحجرية التي تعود إلى العصر البيزنطي، منها: حجر رخامي يحمل نصاً دينياً فيه إشارة للسيدة مريم العذراء (ع)، موجود في كنيسة السيدة حالياً، بعد نقله من كنيسة الكاثوليك. وفي كنيسة السيدة يوجد تاج صغير، أُحضر من الكاتدرائية، يحمل عبارة "السلام عليك يا مريم". كما أحضر من الكاتدرائية للكنيسة حجر نقشت عليه بعض الأحرف، وثمة شاهدة قبر أمام الكنيسة نفسها، تحمل نقشاً يتضح منه عمر المتوفي 70 عاماً.




آثار يبرود في العصور الإسلامية

مع انتشار الإسلام استوطنت البلدة بطون من قبيلتي ضبة، وكلب العربيتين، وتردد بعض أمراء الدولة الأموية عليها بهدف الصيد والرياضة. وقد بنيت العديد من المساجد في يبرود، إلا أنه لم يبق من مساجدها القديمة إلا مئذنة جامع الخضر (ع) الذي بني على أنقاض كنيسة القديس نيقولاس، التي كانت مبنية على أطلال معبد وثني. والمئذنة تشبه مئذنة العروس في الجامع الأموي، بنيت من الحجر الكلسي المشذب، وهي ذات جذع مربع، مرتفعة فيها فتحات صغيرة للإضاءة، تعلوها شرفة وفوقها شرفة ثانية خشبية. يستمر الجذع المربع من مستوى الشرفة الأولى ولكن بمقطع أصغر، لينتهي بجوسق وفوقه قلنسوة حجرية. وقد جرى ترميم المئذنة أكثر من مرة كان آخرها سنة 2009ً، بإشراف دائرة آثار ريف دمشق.
 





توجد في البلدة  الكثير من الأبنية التقليدية القديمة الجميلة والنادرة الوجود، ومنها بعض المنازل والساباطات، التي تعمل الدائرة على توثيقها وتسجيلها. كما تم إزلة الكثير من الأبنية الأثرية العائدة للعصر الإسلامي ومنه حمام العجمي، الذي بني مكانه جامع جديد.



سجلت آثار يبرود على لائحة المواقع الأثرية الوطنية في أكثر من قرار، فقد سجل تل القبع  في مركز المدينة بالقرار رقم 205 تاريخ 6/12/1975، ثم سجلت جبال وأودية يبرود بالقرار الوزاري رقم 388 تاريخ 10/8/2005، ومدفن المنقورة، بالقرار رقم 736 تاريخ 8/11/2006، وكاتدرائية القديسين هيلانة وقسطنطين بالقرار الوزاري رقم 106 تاريخ 28/2/2007

إعداد : محمود حمود – ابراهيم عميري
دائرة آثار ريف دمشق


 طباعة طباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

الخبر اليقين
بالصور: الأضرار في أوتش خان وسوق النحاسين وجامع زكي بحلب القديمة بالصور: الأضرار في خاني العلبية والصلاحية ومصبنة الجبيلي ومدرسة الحلوية في حلب القديمة بالصور: الأضرار في جامعي العادلية والسفاحية وكنيستي فرحات والشيباني بحلب القديمة بالصور: الأضرار في باب أنطاكيا، مسجد الشعيبية وجامع الكمالية وسوق الجلوم وخان التتن بحلب القديمة بالصور: الأضرار في خانات الجمرك و خايير بك وأسواق الزرب والعطاريين والسقطية بحلب القديمة بالصور: الأضرار في سوق وخان الحبال وساحة الفستق وسوق المسامرية بحلب القديمة

المزيد ... More

عدد الزيارات من شباط 2014
5242576
مواضيع جديدة
تقرير عن واقع العمل الميداني للمديرية العامة للآثار والمتاحف بحلب القديمة Report about the field work of DGAM in old Aleppo نتائج امتحانات الفصل الأول للعام الدراسي 2016-2017 فريق التوثيق الثلاثي الأبعاد يتابع عمله في دمشق القديمة

المزيد ... More