|

قلعة حارم 

د.أمل الحسين

      كان للتطور التاريخي في سورية بشكل عام، وفي منطقة شمال غرب سورية بشكل خاص أثر بالغ في تأسيس ثقافة متنوعة امتدّت لآلاف السنين من عصور ما قبل التاريخ، إلى العصور الرومانية والبيزنطية وصولاَ إلى الحضارة العربية الإسلامية. 

 تطلق تسمية قرى الكتلة الكلسيّة على منطقة الجبال الواقعة شمالي غرب سوريّة، والتي تمتدّ على مساحةٍ واسعة بين الحدود التّركيّة شمالاً ومدينة أفاميا جنوباً، والمتمّثّلة غالبيّتها بمحافظة إدلب. تمّ طرح هذه القرى الأثريّة للتّسجيل على قائمة الإرث الحضاري العالمي على اعتبارها منطقة فريدة من نوعها، تمثّل مشهداً طبيعيّاً ثقافيّاً مميّزاً، يضمّ العديد من المنشآت المعمارية المتنوّعة، التي مكّنت من إلقاء الضّوء على تاريخ المنطقة، فتمّ إدراج هذه المنطقة على لائحة التّراث العالمي في اليونسكو في حزيران عام 2011م، إنّ هذا التّسجيل للكتلة الكلسيّة تأثير على المستوى الإقليمي. حتّى قال عنها حين رآها الرّحالة بورك هارد في عام 1812م: ” إنّ إدلب أثينا الشّرق”. 

من أهمّ الصّروح الأثريّة الموجودة في محافظة إدلب قلعة حارم السّــــــــــــــــــــــــــــــــــــاحرة، التي مازالت معالمها الأثريّة شاهداً على عراقتها، والتي تعتبر أنموذجاً لعمارة التّحصينات العسكريّة الإسلاميّة-الصّليبيّة، وما يميّزها عن باقي القلاع هو ارتفاعُها الشّاهق، كما لم يغب الدّور الدّيني لقلعة حارم، حيث لعبت دوراً دينياً مهماً كمؤسسة دينيّة كبيرة في العهد البيزنطي تحت اسم دير حارم، كما تبرز أهميّة القلعة تاريخيّاً من خلال الدّور الأساسي الذي لعبته في الحروب العربيّة الاسلاميّة مع الصّليبيّين. 

4
مدخل القلعة بين برجين بارزين

الموقع: 
تتمتع حارم بموقع استراتيجي هام في شمال غرب سورية، على الحدود مع تركيا، محاذية لسهول لواء اسكندرون من الشمال، وتسيطر على الطريق الرئيسي بين إنطاكية وحلب، وتعتبر إحدى مراكز المراقبة نحو كتلة جبل الأعلى وجبل باريشا، تبعد عن حلب 67 كم، وعن إدلب 50 كم، وعن إنطاكية 49 كم، وترتفع 138م عن سطح البحر. 

التّسمية: 
جاءت أقدم تسمية لها من وثيقة باللغة السريانية الآرامية، تعود إلى القرن السابع الميلادي باسم (حرم، HRM) والتي تفيد معنى المنذور أو الحرام في اللغة السريانية. 
ويذكر “ياقوت الحموي” في كتابه “معجم البلدان”: أن كلمة حارم مشتقة من الحرمان لحصانتها في وقت عمرانها، أي يحرم على العدو تدنيسها أو أنها المكان المقدس. 
وعرفت باللغة اللاتينية بأسماء متعددة مثل: كاستروم هارنك(Castrum Harenc)  و هارينش(Harrench وهارم (Harrem).

3
صورة جوية للقلعة
2

تاريخ القلعة: 
أقدم الدلائل الأثرية التي تم اكتشافها من خلال أسبار البعثة الإيطالية، أشارت لفترات استيطانية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد أي فترات السيطرة الإخمينية على شمال بلاد الشام. 
أما في العصور الكلاسيكية فهناك معطيات أثرية أفرزتها بعض المدافن المتفرقة ضمن أراضي شمال حارم عند المنطقة الحدودية، وتشير هذه المدافن بأنها تؤرخ إلى فترات زمنية متعاقبة (هلنستية- رومانية- بيزنطية). 
وقد فتحت القلعة في عام (17هـ/637م) على يد القائد “أبو عبيدة بن الجراح” الذي ولى “معاوية بن أبي سفيان” على حارم سنة /21هـ/، واستمرت القلعة ضمن قلاع الثغور الإسلامية حتى غزاها البيزنطيين من قبل الإمبراطور تقفور فوكاس (963-969م)، ويعتقد بأنه أضاف مبان جديدة إلى القلعة،
 وفي عام (1084-
1085م) تم استرجاعها على يد الجيش السلجوقي بقيادة سليمان بن قطاميش، وفي عام (1097-1098م) هددت القلعة مؤخرة الجيش الصليبي الذي يحاصر إنطاكية فاستولى الفرنجة عليها أثناء الشتاء، وأحتلها نور الدين سلطان حلب لمدة قصيرة عام (1149م)، وظل التنافس على القلعة بين المسلمين والصليبيين حتى عام (1164م)، وفي عام (1199م) قويت الدفاعات على يد الملك الظاهر غازي حاكم حلب، الذي شيد أبراجاً جديدة وجدراناً استنادية للمنحدرات، وفي أواخر القرن الثالث عشر رممت حارم بعد أن عاث بها المغول خراباً في العام (1260 –1271م). 
ولا بد أن ننوه إلى أن حارم إلى جانب كونها حصناً أيوبياً منيعاً- قد شكلت منتزهاً ومنتجعاً للسلاطين الأيوبيين. 
وفي العصر الحديث تحصنت فيها قوات الاحتلال الفرنسي أثناء الثورات السورية التي كانت على أشدها في منطقة حارم بزعامة المجاهد “ابراهيم هنانو”. 

6
العقود المتصالبة والفتحات في سقف السوق
5
العقود المتصالبة والفتحات في سقف السوق

وصف القلعة أثريّاً ومعماريّاً: 
تبدو القلعة بمظهرها الحالي أنموذجاً لعمارة التحصينات الإسلامية التي شاعت في فترات القرون الوسطى ويعبر طرازها المعماري العسكري عن الأسلوب التحصيني الذي اتبعه الأيوبيون في تشيد قلاعهم وحصونهم.  
تتمركز القلعة فوق تل طبيعي اصطناعي بمساحة تقريبية حوالي 4.5 هكتار وارتفاع 45م عن السهل المحيط به، بشكل جذع مخروطي دوراني ويحيط بها خندق عميق منحوت بالصخر الطبيعي، يلي الخندق منحدر صخري تمت تغطيته ببلاط حجري يحيط بالقلعة بشكل كامل، ثم يليه سور القلعة الذي توزعت على طوله الأبراج المزودة بمرامي السهام بشكل منتظم، الضلع الجنوبي من السور اتخذ شكل نصف دائري توزعت الأبراج على محيطه بشكل شعاعي. 
يتم الوصول إليها عبر طريق متعرج وشديد الانحدار، يصل إلى بوابة القلعة الرئيسية المحاطة ببرجين ضخمين، وتؤدي البوابة إلى مدخل منكسر، تتفرع محاور الحركة ضمن القلعة عبر هذا المدخل (الدهليز) ليؤدي إلى ثلاث محاور رئيسية عبارة عن ممرات مسقوفة بعقود تربط بين أجزاء القلعة، مبنية من الحجر الكلسي(الجيري) المنحوت، والمجلوب من محاجر الجبال المحيطة بالقلعة، إضافة إلى بعض الحجارة المنحوتة المنقولة من القرى البيزنطية المجاورة للقلعة، ويدل على ذلك الزخارف البيزنطية. 

11
البرج الواقع في الجهة الشرقية

 الأقسام الرئيسية في القلعة: 
*السوق والحمام العام: 
السوق يضم 12 محل تجاري، توزعت على ضلعين (شمالي وجنوبي) وألحق بالسوق العديد من المستودعات والغرف لتخزين البضائع. 
وقد تم تسقيف السوق بعقود متصالبة تخللها فتحات دائرية ومربعة للإنارة والتهوية، والمحلات في هذا السوق لها مساقط مربعة الشكل سقفها مقوس وبوابتها على شكل عقد دائري مدبب، وفي منتصف الضلع الشمالي للسوق يوجد حمام للعموم.                 
*دار الإمارة والحمام الملكي: 
القسم الشرقي من القلعة يحتوي على قصر الإمارة المؤلف من عدة قاعات وغرف وإلى جانبها حمام خاص مؤلف من حجرتين سقفهما مقبب، وكانت إحدى هذه الغرف تمثل الموقد التي تحتوي في جدارها على أنابيب فخارية لتزويد الغرفة الأخرى بالماء الساخن، أما القاعة الأخرى فهي حجرة الاستحمام تحتوي في الزوايا على المقرنصات الأيوبية. 
*بئر وعين القلعة: 
تتميز القلعة باحتوائها على بئر ماء في وسطها، بنيت جدرانه العلوية بالحجارة الكلسية المنحوتة أما الأجزاء السفلية من الجدار فقد نحتت بالصخر الطبيعي ويتم النزول إلى البئر بواسطة درج حجري مؤلف من /150درجة/ تؤدي إلى نبعة المياه القائمة في أسفل منحدر القلعة الشمالي والتي تسمى ” عين القلعة” حيث تنبع عين جارية تفيض على الخندق ثم تتفرع بعد ذلك، وكان المحاصرون من الجند والأهالي المتواجدين في القلعة يشربون منها. 
قلعة حارم كانت ومازالت تقف شاهداً على الأحداث السّياسيّة والعسكريّة التي مرّت بها المنطقة، وإنّ عمليّات التّدخل الاسعافي من حماية وتدعيمٍ وإعادة تأهيل أصبحت واجبةً أمام المجتمع الدّولي، كونها جزءٌ لا يتجزأ من الإرث الحضاري العالمي. 
بالإضافة إلى ذلك يجب التّنويه إلى أنّ وقوع قلعة حارم قرب معبر “باب الهوى” بوّابة أوربّا إلى الشّرق، ومجاورتها لمنطقة غنيّة بالآثار يجعلها تحتلّ مكانةً هامّةً على خارطة تطوير الاستثمار السّياحي مستقبلاً، خاصّةً أنّ موقع القلعة يشكّل نقطة مشاهدة لسهول حارم المحيطة، أو ما كان يُسمّى “الغوطة الصّغرى”، مما يستدعي أعمال الحماية والتّأهيل للقلعة، كما أنّ إعادة تأهيل القلعة لاستقبال الزوّار سيجعلها مركزاً للرّحلات العلميّة والتّرفيهيّة لجميع الطّلاب في المدارس والجامعات في المنطقة، مما يُعزّز الشّعور بالانتماء، ويساعد في ترسيخ الهُويّة السّوريّة.

9
الحمام الملكي
12
دار الامارة والحمام الملكي الخاص

المراجع والمصادر: 
-عبد الحميد مشلح، الظاهر والمدفون في بلد الزيتون، مطبعة دار عكرمة، دمشق، 2001م. 
-فايز قوصرة، حارم دمشق الصغرى، مطبعة الشرق، حلب، ط1، 1988م. 
-فينر فولفغانغ مولر: القلاع أيام الحروب الصليبية، ترجمة: محمد وليد الجلاد، دار الفكر، دمشق، ط2، 1984م.  
-يوسف ضابطة: “قلعة حارم”، مجلة العاديات، وزارة الثقافة، حلب، 1988. 

 Nicola Santopuoli, Il Castello Di Harim, Missione italo-siriana per il recupero, Arkos, Scienza e restauro 8-3, 2002.  
-Sauro Gelichi, HARIM: Un Castello Di Frontiera Tra Crociati e Musulmani, Università Ca’ Foscari–Venezia, BAR, Oxford, 2011.  
-Sauro Gelichi, Stefania Mazzoni, Harim un-Castello di Siria, Medidevo Araboe  
– Cristiano, Archeologia Viva, Firenze, n.89, 2001.  

موضوعات ذات صلة